محمد بن محمد ابو شهبة
271
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
التكليم من وراء حجاب ، أو بوساطة رسول وهو جبريل . وبالتأمل في الآية نرى أنها تدل على جميع الأنواع التي ذكرتها ، والفرق بين إلهام الأنبياء وإلهام غيرهم ، أن الأول يكون مصحوبا بالعلم أنه من عند اللّه ، ولا كذلك غيرهم . 5 - الرؤيا في المنام : ورؤيا الأنبياء وحي ، وذلك مثل رؤيا الخليل إبراهيم - عليه السلام - أنه يذبح ولده إسماعيل ، ورؤيا نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنهم سيدخلون المسجد الحرام آمنين محلّقين رؤوسهم ومقصّرين « 1 » ، وفي حديث بدء الوحي السابق : « أول ما بدىء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم » . والوحي بجميع أنواعه يصحبه علم يقيني ضروري من الموحى إليه بأن ما ألقي إليه حق من عند اللّه ، ليس من خطرات النفس ، ولا نزغات الشيطان ، وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مقدمات ، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية كالجوع والعطش ونحوهما . بطلان فكرة الوحي النفسي لقد حاول الماديون الذين لا يؤمنون بوجود قوى روحية غيبية وراء المادة ، ومن على شاكلتهم ممن يحملون الحقد والضغن للإسلام والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يشككوا في الوحي المحمدي ، فنفوا أن يكون وحيا من خارج نفس النبي ، وقالوا : إنه وحي من داخل نفسه ، وليس هناك ملك ألقى شيئا من اللّه ، فإن عالم الغيب الذي تقولون : إنه وراء عالم المادة والطبيعة لم يثبت عندنا وجوده ، كما أنه لم يثبت عندنا ما ينفيه ويلحقه بالمحال ، ونحن نفسر الظواهر غير المعتادة بما عرفنا وثبت عندنا دون ما لم يثبت ، فهذا الوحي الذي أخبر به محمد إنما هو إلهام كان يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج . ذلك أن منازع نفسه العالية ، وسريرته الطاهرة ، وقوة إيمانه باللّه وبوجوب عبادته ، وترك ما سواها من عبادة وثنية ، وتقاليد وراثية رديئة يكون لها في جملتها
--> ( 1 ) وقد ذكرت الرؤييان في القران الكريم .